موقع الشاعـــر حبـــيب السامـــــر يرحـــــب بزواره الكــــــرام @ اطلعوا على تجربة الشاعر عبر قصائده الشعرية

 


آليات اللغة الواصفة والتشكل السردي

أيار 17th, 2007 كتبها حبيب السامر نشر في , دراسات نقدية

 

آليات اللغة الواصفة والتشكل السردي

رياض عبد الواحد

يمكننا القول ان الشاعر يتحرك في مناطق شعرية متباينة بسبب حركته غير المستقيمة باتجاه تحقيق الهدف. هذه الحركة تفصح عن هاجس تعبيري قلق ينم عن دراية ذات ملامح متعددة أهمها خرق النسق المتوقع واعتماد البؤر غير المركزية، الأمر الذي يقود إلى تعارض مدروس بين الداخل والخارج، هذا التعارض يخلق نصاً مفتوحاً يبتعد عن منتجات قريبة المسافة عن مركز إنتاج النص وصولاً إلى فضاء كتابي يعتمد تقنية الشكل لتعزيز المضمون.

ولعل هذا الإجراء قصدي ـ تعويضي عن اشتراطات ما هو تقليدي.

 (نصيص) المجموعة يلمح إلى زمن مضاع، إذ أن البنية المكانية المتمثلة في مفردة/ حضور/ فاقدة  -من جهة  الدلالة- لمقومها الحضوري الفاعل إذ أن الشاعر معترف بداءة ان الحضور فقد الكثير من زمنه المؤثر غير أنه يريد ان يشير من طرف خفي الى أن ذلك الحضور له اثره، ولو جاء على حساب فقدان جزء كبير من زمنه الذي يجعله فاعلاً وبذلك يخسر الحضور الكثير فما يمكن ان يفعله لو كان حضوراً مبكراً. إذ التضاد حاصل منذ البداية بين زمن الحضور وزمن التأخر، بمعنى ان حضور الأنا في زمن الآخر المشتهى في ضوء دلالة النصوص حضور خارج عن وظيفته. سنختار بعض القصائد التي تخدم هدفنا من هذه القراءة وسنأخذ القصيدة الأولى في المجموعة يبدأ (النصيص) في هذه القصيدة /مقافل الرؤى/ بخلق إشارة دلالية تعبر عن /الانفعال الزمني/ لا المكاني لأن فعل الإقفال مرتبط بـ/الرؤى/ المتعبنة زمانياً. ويمكن أن نستنتج من صور النص ان الآخر يشكل جمرة ذلك النص بدليل القرائن المثبوتة على جسده. يتم حضور الآخر بوساطة أفق يأخذ شكل التكور الحامل لفنائه منذ لحظة الولادة:

دعي جسدي

يكون قربك

فقاعة

هكذا حضور يدفع باتجاه التشبث المغاير، بحضور متحقق سلفاً لكن هذا الأجراء يدفع بالنص الى تبئير يبتعد عن المكانالمركز/الجسد. إذ أن:

الجسد= فقاعة = الغياب المتحقق في الزمن اللامرئي.

هذه التعادلية المتضادة مغلفة بفضاء استعاري جميل ذي انزياحٍ غير مترهل بل ملموم في بؤرة مشعة

وغرفتي ستفتحها الرياح

وتسلخ من فمي صرخة

هنا عملية /الفتح/ تحتاج الى فاعل حسي- ملموس، غير أن استعمال الرياح جاء لتحقيق غرضين ليسا من أصل مصدر/الفتح/ اولهما تحقيق شعرية عالية من خلال خرق علاقة الإسناد بين الغرفة والريح، والريح وعملية السلخ. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى خلق النص بؤرة جديدة غير البؤرة المركزية المتمثلة بالجسد في مواجهة الآخر. ان الشاعر استعمل تقنية القطع والعودة السريعة إلى نقطة ما قبل القطع بغية دفع البنية السطحية إلى الالتحام مع البنية العميقة بواسطة النسق النازل المتمثل بامتداد الزمن عبر بوابات ضيقة خارج البؤرة الممثلة له… هذه التعامدات تخلق مجموعة من الفواعل النصية التي تدفع باتجاه الانفتاح على ما يناسب/ إقفال الرؤى/ وبسبب من هذا التداخل الذي تخلقه التجربة بتواصل شعري متجانس يخلق انسجاماً شفافاً بين هذه التعامدات.

وتتحرك الدلالة بوساطة الدال اللساني/وَدَعْ/ الذي يشير إلى الانفلات والتخلي عن المكان المحاط بظلمتين: ظلمة السكون وظلمة الظلال. فظلمة السكون حاصلة في ذاتها كما هي عليه في الظلال غير أن القضية لا تكمن في هذا الدال اللساني لكنه متحصل في الدال اللساني المضايف/يداهم/. ففعل المداهمة فعل حركي، يحمل في بنيته التوثب والخفة والفطنة ويتأبط سيف الزمن الحاد لنجاح فعل المداهمة، لذلك ارتبط هذا الفعل بالتوصيف المضايف/زعانف الطوفان/، إذ أن الزعنفة تعمل ضمن حقلين أحدهما انها /بوصلة/ والأخرى انها جهاز الدفاع والهجوم، وبذلك يحقق فعل المداهمة دلالته القوية في منح المكان صفة المواجهة، مواجهة الآتي فيما يتحقق داخل بنية الزمن. ويضج النص بالصور التجريدية القائمة على دفع  النص باتجاه تكوين مهيمنات تخدم الهم العام له من خلال فجوات متحركة تضيق مرة وتتسع مرة أخرى لتكون معادلاً دقيقاً لعملية /الإقفال/ المنوه عنها في /النصيص/ لهذا يختار الشاعر الجمل الاسمية ذات السمت الثابت لكي تعضد فعل الأفعال.

مرايا قرمزية

عيونها جناحات

تشع عبر أرصفة ومقبرة

ورغبة يوظفها السؤال

في حنايا الزمن السائب

مفازة رملها الضوء والشمس

وملحها الأجاج

كأن ظلها يدنو

وتقبض راحتاها ماء عين والضحى وجهاً

المزيد


حضور متأخر جداً لحبيب السامر

أيار 17th, 2007 كتبها حبيب السامر نشر في , دراسات نقدية

 

   

 

حضور متأخر جداً لحبيب السامر يأبه بالذكرى

قصائد تتوكأ علي عكاز الأشياء

ضياء الجبيلي

لازال الشاعر حبيب السامر يتذكر قول الشاعر عبد الوهاب البياتي له بعد قراءة قصيدته (محاولة حب أخيرة) التي كانت مقدمتها: (هنا لا شيء سوي مليون حداد / يسبكون قيودا لأطفال لم يولدوا بعد / هنا لا شيء سوي مليون نجار / يصقلون توابيت بلا صلبان.)

إذ قال له البياتي ما معناه (ألا تشعر أنك ما زلت صغيرا علي قراءاتك للوركا ؟) كان ذلك في بغداد / قاعة الرباط، عندما مثل السامر البصرة في المهرجان القطري للشباب عام 1975
أسوق هذه المقدمة للإشارة إلي أن مثول حبيب السامر في حضرة الشعر كان مبكرا، وليس كما يوحي عنوان مجموعته الشعرية البكر (حضور متأخر جدا) لبعض الذين لم يعرفوا حبيب السامر عن كثب. وربما كان حضوره الشعري المتأخر من خلا ل إصدار ديوانه الأول، وهو حال الكثير من شعرائنا الذي تأخروا في إصدار نتاجهم بالرغم من ولوجهم المبكر إلي عالم القصيدة، بسبب الظروف الصعبة، والنكبات المتوالية التي خلفتها الدكتاتورية ووقوفها حائلا دون تحقيق تلك الأحلام في إصدار المطبوع الأول الذي يؤرخ لتجاربهم الشعرية.

تجترح قصائد السامر في هذا الديوان معالمها من التقصي اللائذ في دهاليز الحياة، وتكتنز المعني بطريقة سابحة في فضاء الخاص تارة، والآخر العام من هذا العالم تارة أخري. لتكون نموذجها الباحث في كنه الواقع عبر استرسالات كلما حاولت الإجهاز علي نكهة القصيدة في سبرها أغوار العالم السفلي الشعوري والصوري المجازي للإنسان والواقع معا، ينهض صدق الشاعر لكي يرمم تلك التمزقات ويصنع منها مبررا لكل ما قيل وظننا انه مجرد استرسال زائد. بينما هو في الواقع أدوات للإقناع نجحت في جذبنا إلي اللامتناهي في نهايات قصائد حبيب السامر. لذا عرجنا علي دراسة شعرية الاستهلال وما يبثه من إمكانية قادرة فعلا علي جر المتلقي إلي المساحة التي يصدح فيها المتن بالدلالة.

الإشارات المحسوسة والمرئية

في مخاطبة يترنح الشاعر في سديمها بين اللهاث والرماد،ويظهر فيها وجه الضياع أو ربما الدمار الذي ترسمه الإشارات المحسوسة والمرئية أيضاً: القافلة، الرياح، الظلام، الطوفان، الفراغات، التيه، المقبرة، الزمن السائب، الأجاج، إلخ..

 في زحمة هذه الأشياء والإشارات المزدحمة يقفز صوت الشاعر دائما من جملة إلي أخري ليزيح ما يظنه هو حجرا عاثرا أو حفرة أو ربما مغارة. لكنه سرعان ما يعود ليختفي أو يختبئ، تاركا المتاهة أمامنا وقد فتحت فمها لتبتلع دهشتنا بألفة كارثية. وكأنها تخبرنا بأن ذلك الصوت كان آخر دالة، تقود إلي مكان الجرح: (دعي جسدي / تلون قربك، فقاعة…. وحينها سترحل قافلة / ودمي المثقل باللهاث / وبالزنابق / وغرفتي ستفتحها الرياح / وتسلخ من فمي صرخة / وزلزلي مكامن الهدوء ـ مقافل الرؤي ص2).

إن الاستهلال في قصيدة (أرجوحة ـ ص9) يحيلنا إلي الالتصاق القسري / المأزق. أو ربما الأزمة، أو العزلة المظلمة التي طالما وجد الشاعر نفسه غارقا في فوضاها. بعكس الانتشال الذي يمكن أن يوحي أن ليس ثمة صعوبة تواجه المُخلِّص / المنادي عليه، بينما هو يمد يد العون.. بمعني آخر: أن الانتشال هو أكثر مرونة من استلال الشيء الملتصق، أو الغارق باللزوجة الخشنة: (مدّي لي ذراعا / من لؤلؤ العينين / يستلني / من عتمتي) أنها العتمة اللزجة أو الطحلبية التي لن ترأف بضحيتها وهي تجتهد في ابتلاعها. وحتي في حال انتُشل الشيء الملتصق، تبقي المشكلة في لزوجة الذراع الممدودة، إذا اكتشفنا أنها ذراع من الدمع، وبالتالي فأن هذا التقارب سرعان ما يؤدي إلي امتزاج تُستل منه العتمة والدمع أيضا. في حين يبقي الشاعر في منفاه، إذ لا يشير إلي أن ثمة منقذ في الطريق إليه: (هو مدّ من قامات قيثار / يدا / يستل عتمة / من لؤلؤ العينين / ما

بدت).

وتنمو المتعة في قراءتنا لقصائد السامر عند لذة الاكتشاف وهذا التقارب الحميمي بين عجينة اللغة وأصابع الشاعر. ما يجعلنا نمسك بتلك القدرة علي الإيجاز اللفظي في سبك الجملة الشعرية، مع إحساسنا بجدوي اللعب الفني الذي يتدرج في صعوده إلي نقطة تكمن فيها المفارقة.
في قصيدة (أصابع النبض ـ ص14) ثمة ما يوحي بحضور الصورة التي بالكاد تُلتقط من خلال عدسة دقيقة / مجهرية. لأن التفاصيل الوصفية ذائبة فيها. لكن ما دام أن ثمة (لعق) يعني أن هناك لسان وهذا اللسان معرف لغويا أو من خلال التعبير وتركيب المعني. كأن نقول: ألسنة اللهب أو النار. إذ ليس من الضروري أن نمنحه لإنسان أو حيوان. وإنما ثمة ما هو أكبر من كونه أداة مؤذية / مدمرة. لذا يتخايل لنا ان صاحب هذا اللسان ربما يكون كائن أسطوري حاضر أبدا، أو يلوح بالأفق للأجيال القادمة / لسان النار، وأي نار: أنها نار الحرب: (تلعق الجرحا / نار الحرب / حامل / المتراس القلب / مُذ مرت / في قفر الليل / وانهدّ السأم)

وفي إحالة صورية أخري، تأخذنا دلالة الأشياء في قصيدة (رغوة الموقد ـ 19) إلي العمق المستكين للتيه الإنساني


المزيد